ابن بسام

167

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

ذكر ما لم يمكن لنا النفث عنه ممّا في باطنه من نذالة الخيم ، ونطف الصّحبة ، وتهمة الخلوة . وإذا به متخلّق ليسمو إلى مراد أناله المقدار إياه ، فتنة من اللّه . فلم يلبث أن أدركه عرق السّوء ، واجتذبه إلى نصر طباعه ، فاستحال وتغيّر ، وعتا واستكبر ، وخان وغدر ، فاستخفّ المظالم ، واستهان الكبائر ، واطّرح الفروض ، واحتقر الحقوق ، واغترى بذوي الهيئات ، وحملة المروّات ، فأذال صونهم ، وأغرى غاشيته من سفلة الناس وأوغادهم بهم ، فأضرع خدودهم ، وحطّ أقدارهم ، وأشعر الأعزّة الذّلّة ، وألصق أنوفها بالرّغام ، وأصمتها عن الكلام . فارتفع الأمر بالمعروف جملة ، ووسع أهل السلامة الدّخول تحت التّقيّة . فصرنا ممن أخذ بذلك في ذكره ، فيما كتبنا له من ظاهر أخباره مدّة ستر اللّه عليه ، إلى أن ارتفعت بزوال سلطانه ، وأمان عدوانه ، ففارقنا / الحزم [ 1 ] في ذكره ، ولزمنا العذر عنه بالنّقض لما أسلفناه من تقريظه . قال ابن حيّان : ولمّا [ 2 ] رآه ولد ابن جهور آخذا بخطط الملك أجمعها ، ومراتب الرئاسة بكليّتها ، وتركهم أعطالا ، وبسط يده إلى مال الخراج واحتوى عليه ، يأخذه كيف شاء ، وينفقه فيما يريد ، واصطنع الرّجال ، واتخذ الأصحاب والغلمان ، فخضعت له الرّقاب ، وسمت إليه الآمال ، فتوقّل ذروة الإمارة حالا حالا ، حتى ثنى الجند والرعيّة لنفسه ، وصدّهم عن لقاء أميرهم ابن جهور . ولم يستحي من اللّه ولا من عباده في خون أمانته ، ولا تستّر عن الإعلان بغلول وديعته ، وقد تولّى أمر السّلطان وهو فقير فلم يستتر في الاكتساب ، بل جاهر في التحامل على الجيرة والإكراه للمستضعفين ممن يصاقبه من ذوي خطّة أو سهمة . له في كلّ ذلك أمور لا تحصى كثرة . ثم خلّط لأوّل ترقّيه في الرئاسة بأن اتخذ لنفسه جند سوء ، مال به طبعه الرّذل إلى الاستظهار بهم على أقادم الجند بقرطبة ممن مرن على الاستقامة ، فتخيّر هو من أراذل الطبقات ومصاص شرار الناس ، وانتقاهم من أصناف الدّعرة والدائرة والأساود والرقّاصة ، نخل من كلّ طبقة مرفوضة ما بعث على الناس منهم ذئابا عادية ، وأعدّهم ليوم الكريهة فلم يغنوا عنه شيئا لمّا حاق به قضاؤه ، وكان قد أقفر دار الخدمة بقرطبة ونقلها إلى داره ، فجعلت المواكب تزدحم على بابه ، ولم / يوفّقه اللّه لاختيار حاجب لبيب يعلو [ 3 ] جماعة حجّابه ، فيحمل

--> [ 1 ] كذا في ص . [ 2 ] لم يأت جواب « لما » . [ 3 ] ص : يغلوا .